الأربعاء، 25 ديسمبر، 2013

دموع في عيون عروس الدلتا


- وكأن عام (2013 ) في آخر أيامه يأبى أن يمر مرور الكرام كما جاء ، لتفيض سجلاته  بكل ما يسوءه ، ويجعله من أسوأ الأعوام في التاريـــــــخ المصري الحديث ( وليس الذنب ذنبه ) بفعل ما شهده من أحداث جسام غلفهــــــــا  العنف ، والإرهاب وإصطبغت جميعهـــــــــــا بلون الدم ورائحته ، سقطت  خلاله الضحايا كل يوم في طول مصر وعرضهـــــــا مابين شهيد وجريح .
يرحل هذا العام باكيا ، شاكيا الى الله مافعله المصريـــون به ، وبمصر ، وبعروس الدلتا ( المنصورة ) .
يطيــــر النوم من عيون عروس الدلتا ( المنصورة ) ليتصل نهارهـــــا  بليلها ، دون أن يغمض لهــــا جفن ، ففي الساعات الأولى من صباح الثلاثاء ( 24) ديسمبر تشهد المنصورة حادث تفجيــر مروع إستهدف مديرية الأمن ، يعد من  أكثر الإعتداءات الإرهابية دموية منذ عزل محمد مرسي ،  وقبل أيام من الإستفتاء على مشروع الدستور الجديد ، نجم عنه إستشهـــاد (14) بينهم عقيد ومقدم وعريف و(7) مجندين ، وإصابة (134 ) آخريـــــن بفعل الإرهاب الأسود ، بمثل سواد قلوب من ينتمون اليه ويدعمونه ، ومن قاموا بهذا التفجير الآثم ممن غابت عقولهم ، وماتت ضمائرهم ، ونُزعت الرحمة من قلوبهم ، فكانوا كالأنعـــــام بل هم أضل سبيلا ، فعميت عيونهم ، وطمس على بصائرهم ، وتساوى عندهم العدو الحقيقي (اسرائيل ) مع الجار والشقيق والصديق ، فقصرت أيديهم عن العدو الذي يرتع بأرض فلسطين المحتلة ، ويدنس مقدساتهـــــــا ، وينتهك حرماتهــــــا ، وطالت تلك الأيد بالغدر والإرهـــــاب والدم على الشقيــــق وجار البيت والشارع والمدينة وكل مصر ، لتكتمل جملة الفعل ، ( فالفعل ) مصري ، و(الفاعل ) مصري ، و( المفعول به ) مصري .
وتنتهي الجنازة العسكرية المشرفة ، وتوضع باقات الزهور على قبور الشهداء الذين إغتالتهم يد الغدر والخيانة ، وينصرف المعزون كل الى بيته ، وتغلق  بيوت أهالي الشهداء أبوابها على أم ثكلى فقدت فلذة كبدها  ، أو أب فقد وحيده ، أو زوجة فقدت زوجها ، أو أطفال فقدوا عائلهم ، لتفيض  كل تلك القلوب بالحسرة والحزن على من فقدوهم ،  وبالغيظ والحرقة على من تخاذلـــوا وتهاونـــــوا في توفير الأمن لهم وحمايتهم من غدر إرهاب كريه ، ولترتفع الآكف الموجوعة بالحزن ،  والأعين الساهدة  الى السماء بالدعاء  الى الله ليقتص  عاجلا غير آجل من تلك العقول التي خططت لهذا الجرم ، وللألسنة المفخخة التي وجهت ، وللأيد التي نفذت ، فسرقت فرحة أم كانت تنتظر عودة فلذة كبدهــــا فعاد إليهـــا أشلاء ، ولم ترحم شيخا كان يعد وحيده ليكون عكاز شيخوخته ، وزرعت الحسرة والألم في قلب زوجه حلمت بالسعادة مع زوجها ورفيق دربهــــــا ومستقبلها ، وحرمت أطفال من حضن أبيهم الدافئ ، وجوعى كانوا ينتظرون عودة والدهم بالخبز الذي إختلط بأشلاء الأب ودمه .
اللهم إحمي مصر من شر بعض أبنائها الذين  غابت عقولهم ، وعميت بصائرهم قبل أعينهم ، وماتت ضمائرهم  ، ممن جحدوا حقها وفضلها ، وإمتدت أيديهم بالغدر لتطعنها في مقتل .
                 محمد الشافعي فرعون 
                  الرياض في 25/12/2013...

الأحد، 15 ديسمبر، 2013

همسة في أذن الفرعون الجديد

- صناعة الآلهة صناعة مصرية ( بإمتياز ) ، لم تبدأ في هذا العصر ، وإنما هي صناعة قديمة ورثناهــــــا عن أجدادنا الفراعنة .
وإذا كان المصريون القدماء قد برعوا في تشييد الأهرامات ، وبناء المعابد ، وإقامة المسلات ، والتي أصبحت على مدى التاريخ من المعجزات والمعالم الأثرية التي أبهرت العالم ، فقد برعوا أيضا في صناعة الآلهة ، فكان ( تحوت ) إله الحكمة ، و( حورس ) إله الشمس ، و ( حتحوت ) إلهة الأمومة والطفولة والحب ، و(ست ) إله الصحراء والعواصف ، وغيرهم من مئات الآلهة التي تذخر بها مراجع التاريخ الفرعوني القديم ، وكلهـــــــا أوهام صنعتهــــــا أيد الكهنة , وباركهــــــا الحكام , و صدقهــــــــا الناس .
كما جعل القدماء من الحاكم ( نصف إله ) وأضاف الحاكم لنفسه النصف الآخر وإدعى أنه  إله ( كفرعون موسى ) ، حيث كان الولاء المطلق له ، والقدسية لأفعاله وأقواله ، والثناء الذي لا ينقطع له آلاء الليل وأطراف النهاء ( الى حد النفاق)  ، ومن هنا كانت البداية .
في عصرنا الحديث وفي ظل  الثورة العلمية والمعلوماتية فشلنا في فك أسرار الأهرامات ، أو التعرف على سبب تعامد الشمس مرتين سنويا على قدس الأقداس في معبد الكرنك ( 3 ) أيام ، وعلى قدس الأقداس بمعبد قارون ليوم واحد ، وعلى قدس الأقداس بمعبد الدير البحري الذي شيدته الملكة حتشبسوت ، وبقدر فشلنا هذا فقد نجحنا ( بإمتياز ) في معرفة أسرار صناعة الآلهة ، والتي إتضح أنهـــــــــــا لاتحتاج الى كثير جهد ، فقط تقديس أعمال الحاكم ، وجعل الثناء له مع الشهيق والزفير ، وقبل الأكل وبعده .
ونجحت التجربة مع الرئيــــس جمال عبد الناصر ، والرئيس السادات ومبارك ، فصنعت لهم الأغاني التي تتغنى بأمجادهم ، ونشرت عنهم الكتب التي تتحدث عن إنجازاتهم ، وتفرغ الإعلام المسموع والمقروء والمُشاهد للحديث عن أخبارهم على مدار الساعة .
 الآن يجري الإعداد للفرعون  الجديد ،  حيث تم تدشين حملة ( كمل جميلك ) للتقديم له ، ووضع أحد الأحزاب صوره على صدر صفحات جريدته ، وطالب آخرون بوضع صوره على أغلفة الصحف والمجلات ، وأكد آخرون أنه لا بديل عنه رئيسا لمصر ، وتسابق خبراء تفسير الأحلام في تفسير حلمه الأخير ، حتى حسم أمره أخيرا ولم يمانع في الترشح للرئاسة .
سعادة الفريق في زحمة شلالات الثناء من البعض ، وأنهار المديح من آخرين  ، وسطوع أضواء كاميرات الإعلام وصحفه وإذاعاته لا تنسى دروس التاريــــخ وعظاته ، فكما برع المصريون في صناعة الآلهة  ، فقد نجحوا أيضا في تحطيمهـــــــا عندما أرادوا ، فرئيس مصر الأول محمد نجيب قضى (30 ) سنة تحت الإقامة الجبرية بمنزل زينب الوكيل بعيدا عن السياسة وعلى هامش الحياة  حتى توفى في (28 ) أغسطس 1984 م ، والرئيس جمال عبد الناصر أشيع أنه مات مسموما في (28 ) سبتمبر 1970 م ، وقتل الرئيس السادات يوم عرسه العسكري السنوي في ( 6 ) أكتوبر 1981 م  ،  ومبارك من المتوقع أنه سيقضي  أيامه الأخيرة خلف القضبان الباردة ، ومحمد مرسي سيلحق به ، فلا تغتر بأضواء الكاميرات ولا بشلالات الثناء والمديح ، والحذر ... الحذر من كهنة فرعون وسحرته فمازالوا يعيشون بيننا نراهم في الفضائيات ونسمعهم بالإذاعات ونقرأ لهم بالمجلات والصحف ،  فالطريق الى كرسي قصر الإتحادية أصبح معبدا بأسنة الرماح ، وأن الجلوس عليه جلوسا على الجمر .
في كتابه  كنت رئيسا لمصر ( صفحة 129، 130 ) كتب محمد نجيب   : العبارة الأخيرة التي قالهـــــــا لي فاروق (  إن مهمتك صعبة جدا فليس من السهل حكم مصر)  ، ........ ساعتها كنت أتصور أننا سنواجه كل مانواجهه من صعوبات الحكم باللجوء الى الشعب ، لكنني الآن أدرك أن فاروق كان يعني شيئا آخر لا أتصور أن أحدا من الذين حكموا مصر أدركوه ، وهو أن الجماهيــر التي ترفع الحاكم الى سابع سماء هي التي تنزل به الى سابع أرض .... لكن لا أحد يتعلم الدرس .
ملاحظة حتى لايساء الظن كلمة الفرعون تعني الحاكم .
                        محمد الشافعي فرعون 
                        الرياض في 16/12/2013.
............

الجمعة، 13 ديسمبر، 2013

وأخرتهــــا مقابر الصدقة

- ما أهمية أن تدخل التاريــــــخ من باب المبدعين ، وتسجل إسمك في سجل الخالدين ، ثم تخرج من التاريــــــــخ الى مقابر الصدقة ؟
إستفهــــــام مصحوب بالحسرة ، سؤال شغلني كثيرا ، وتوقفت أمامه طويلا ، وكان صاحب السؤال مشهد دفن شاعر الغلابة و العامية المصرية أحمد فؤاد نجم في مقابر الصدقة التابعة للجمعية الخيرية الإسلامية لأبناء ميت عفيفي بالقاهرة .
في سبعينيات القرن الماضي كانت حجرة ( نجم شاعر الغلابة )  المتواضعة فوق سطح أحد البيوت في حارة (خوش قدم ) بحي بولاق الدكرور مزارا للطلاب  والمثقفين والثورييــــن ، قال عنه الشاعر الفرنسي ( لويس أراجون ) : إن فيه قوة تسقط الأسوار ، وأطلق عليه الدكتور علي الراعي الشاعر البندقية ، ووصفه الدكتور جابر عصفور بأنه إقتحم الحضور الثقافي كعاصفة التمرد التي كانت تمور في داخلنــــا .
إختارته المجموعة العربية في صندوق مكافحة الفقر التابع للأمم المتحدة في عام 2007م سفيرا للفقراء ، وحصل على المركز الأول في إستفتــــاء وكالة أنباء الشعر العربي .
فاز في عام 2013م بجائزة الأمير كلاوس الهولندية ، وتوفى قبل أن يتسلمهــــــا  ، والجائزة من أرقى الجوائز في العالم .
وعد محافظ القاهرة الدكتور جلال مصطفى سعيد بدراسة تشييد تمثــــال لشاعر الغلابة تكريما لأسم أحمد فؤاد نجم .
قصائده جعلت منه أهم شعراء العامية في مصر ، وأحد أهم ثوار الكلمة ، والمعارض الدائم للسلطة حتى وصفه الرئيس السادات بالشاعر البذيء ، وظلت معارضته للسادات ومبارك ولم يسلم منها مرسي .
قصائده على كثرتهــــا لم تشفه من المرض ، ولم تغنه من الفلس ، ولم تشبع جوعه ، قضي بسببهـــــا (18 ) عاما من زهرة عمره  خلف القضبان ، ولم  يغير ذلك من مساره ، أو من لونه الذي ظل ثابتا عليه في وقت غير فيه آخرون ( ممن كانوا يتظاهرون بمعارضة السلطة ) لونهم ، وجلدهم ، وظهرت عليهم نعمة الإقتراب من السلطة ، وظل هو قابعا هناك فوق السطوح لم يغادرهـــــا ولم تغادره .
فقيرا عاش ، ومعدما مات ، ولم يجدوا له إلا مقابر الصدقة المخصصة للمعدمين والمشرديـــن ليدفن فيهـــــا .
حالة متميزة لشاعر متميز ، صادق الكثيرون شعره وإلتحفوا به ، عاش الشعر ، وعاشه الشعر ، كسب العالم بشعره ولم يخسر نفسه ، وعاش متوقد الذهن ، حاضر الذاكرة ، فخورا بشعره ، وبثوبه الذي لم يغيره ، وسطوحه التي لم يغادرها ، متفاعلا مع قضايا مصر وثورتها .
وعاد السؤال يلح من جديد وبشدة ، ما أهمية أن تدخل التاريــــــخ من باب المبدعين ، وتسجل إسمك في سجل الخالدين ، ثم تخرج من التاريـــخ الى مقابر الصدقة ؟وعجزت عن الإجابة ، فمن يجيب ؟
           محمد الشافعي فرعون 
            الرياض في 14/12/2013..........

الأحد، 8 ديسمبر، 2013

العيب ليس في الدستور

- أحد أهم الأسباب الجوهرية لإستمرار الثورة أنهـــــا لم تحقق أهدافهـــــا ، حيث إتضح أن للثورة أيد وأرجل ، لكن ليس لهـــــــا رأس ، والرأس هو القائد ( الغائب ) ، صحيح أن الشعب بكل طوائفه هو صاحب الثورة ، لكن هذا الصاحب بات يملك ( 90 ) مليون رأي بعدد أفراده  إتفقت جميعهـــــــا علي الإختلاف على أي شيء ، وكل شيء .
إنتهت لجنة الخمسين من إعداد وصياغة  الدستور الجديد ، وسلمته في شكله النهائي الى الرئيس المؤقت لدعوة الشعب للإستفتاء عليه، وكعادة الشعب المصري(  بعد الثورة )  المنقسم الى تيارات وأحزاب وجماعات وحركات  (   وقبل الإستفتاء )  دعا البعض وبشدة الى التصويت على الدستور ( بنعم ) وحشد ما أمكنه من أسلحة إعلامية ودعائية لمطالبة الآخرين بالموافقة على الدستور ، في الوقت الذي رفضه البعض الآخر المعارض وبنفس الشدة ، وسن سكاكينة مهددا ومنذرا ومشرعا بأن هذا الدستور لا يتوافق مع الشرع ، وأن من يوافق عليه محروم من دخول الجنة .
وما بين مؤيد ، ومعارض ، ومؤيد للمعارض ، ومعارض للمؤيد ، ومعارض للمعارض والمؤيد معا ، ضاعت الحقيقة أو كادت ، خاصة وأن كل فريق إتخذ من رجال الدين رداء له ، وجعل منهم رأس حربته في مواجهة الفرق الأخرى لإثبات صدق موقفه وأنه صاحب الحق ، وأن الآخرين أصحاب سوابق ومن أهل جهنم .
الدستور في نهاية الأمر( يا أصحاب العقول )  عمل بشري ، أعدته ، وصاغته ، وأتمت صناعته أيد بشريه ، وحيث أن كل أبن أدم خطاء ( بقصد أو بدون ) فمن المؤكد أن هذا الدستور لن يكون منزها عن الهوى أو الكمال  .
 وفي ظل حالة الإنقسام الحادة التي أصبحت من معالم الشارع المصري فمن المؤكد أنه سيكون هناك إتفاق وإختلاف على كل أو بعض مما ورد بهذا الدستور أو غيره الى يوم القيامة ، وتلك أحد الآثار الجانبية لثورة ( 25 ) يناير يراها البعض سلبية  ، وهذا هو الواقع الذي نعيشه في مصر ولا نستطيع الهروب منه  .
الدستور يمثل خطوة ضرورية يترتب عليها خطوات تالية لها ، وبالتوقف طويلا عند خطوة الدستور حتى  يتوافق الجميع عليه أولا ( لن يحدث ) ، سيتأخر كثيرا الإنتقال الى ما يلي هذه الخطوة من خطوات ، وسيظل حال مصر وشعبها ينتقل من السيء الى الأسوأ لإنعدام الإستقرار السياسي ، إضافة الى الإستمرار المؤلم للحكومة المؤقتة التي هي أقرب ما تكون الى الديكور منها الى الحكومة الفعلية .
وفقا للقائمة السنوية لعام 2013 م  لمؤشر الدول الفاشلة  الذي أصدرته مجلة ( فورين بوليسي ) الأمريكية لأبرز (60) دولة فاشلة على مستوى العالم ( والمنشور خبره بجريدة الشروق الجديد في 24/06/2013 ) ،  والذي تصدرته الصومال ، فقد إحتلت مصر الترتيب ال( 34 ) في هذه القائمة ، وهذا يعني وفقا لمعايير هذا التقرير أن مصر انتقلت من مرحلة الدولة الضعيفة الى مرحلة الدولة الهشة قبل أن تستقر في هذا الترتيب المخزي للدول الفاشلة ، وأيا ما كانت درجة المصداقية في هذا المؤشر أو من يقفون خلفه فهذا لاينفي أن الأوضاع في مصر تنذر بخطر شديد يسبق السقوط إن لم يتم تداركها في أسرع وقت ممكن .
مصر على حافة الإنهيار ، فلماذا لاتتوحد الجهود على ما تم الإتفاق عليه في الدستور ، ويعذر بعضنا بعضا على ما إختلفنا فيه ، ويؤجل حسم الخلاف لحين إنعقاد مجلس الشعب الجديد وتوليه مراجعة المختلف فيه .
مصلحة مصر الآن تقتضي سرعة الإنتهاء من  مرحلة الدستور وتجاوزها الى ما يليها من مراحل قبل الإنهيار .
قد يأتي كلامي هذا صادما لأصحاب الآذان المغلقة إلا لما تحب أن تسمع ، والعيون التي لاترى إلا ما تهواه ، والعقول التي غابت  وغابت عنها الحكمة  .
لسان الحال في مصر يستغيث ويصرخ مع شروق شمس كل يوم وغروبها اليس منكم رجل رشيد ولا أحد يجيب .
              محمد الشافعي فرعون 
            الرياض في 8/12/2013   ......

الخميس، 5 ديسمبر، 2013

الثورة في نهاية عامها الثالث وقفة للتأمل ... وماذا بعد ؟

-  قامت ثورة (25 ) ينايـــــر 2011 م وقد  توحدت الجهود ، وإتفقت الكلمة ، وتحددت الأهداف ، وكان الشعب بكل طوائفه على قلب رجل واحد .
الآن يوشك العام الثالث من عمر ثورتنا على الرحيل كسابقيه حزينا آسفا يشكوا الى الله حال مصر وما صارت اليه بأيد أبنائهـــــــا قبل غيرهم .
قامت الثورة لدفع الظلم بكل صوره ، وتأكيد الحق وتمكينه ، وكانت فاتورة الحق باهظة الثمن ، حيث لاتزال الأرواح تزهق ، والدماء تروي الأرض ، والخسائر تتضاعف وتقتطع من اللحم الحي ، فالنفوس ملتهبة ، والميادين ممتلئة لاتنام ، والجسد الواحد انقسم على نفسه الى تيارات وأحزاب وجماعات وحركات فيها  يغني  كل على ليلاه ، وبات الجميع أمام الجميع متهم ، وتطايرت التهم بكل أصنافهــــــا على كل الرؤوس ، فلم يسلم منهـــــــا رأس ، حتى كفر البعض بالثورة ، وتندر البعض على ماكان ، وأصبح الكل في حال يرثى لهـــــا ، لاتسر الصديق ويفرح لهـــــا العدو ، وجاء اليوم ( وليته ماجاء ) لتمد أمنا ( مصر ) يدهـــــا ذليلة مكسورة القلب الى الأشقاء طلبا للعون والمساعدة العاجلة لإطعام أبنائهـــــــا بعدما تعطل الإنتاج أو كاد ، وتجاوزت البطالة سقف العقل ، وشاع الفقر وإنتشر حتى ضرب بأجنحته كل بيت في مصر .
تفرقت الجهود بعد الإتحاد ، وتبعثرت الهمم ، وتشتت الطريق ، وتلونت الكلمات بلون الدم ، وأصبحنا أسرى الحناجر المحتقنة التي لايروي ظمأهــــــا إلا الدم ، والمزيد  المزيد منه ، وهي لاتشبع أبدا ، حتى زبلت الآمال ، وكادت حبال الصبر على طولهـــــا أن تنفذ .
وكما أفرزت الثورة وكشفت عن شباب قدم روحه ودمه ( طواعية ) قربانا للثورة وأهدافهـــــــا ولإعادة مصر الى مسار الريادة والتقدم  ، كما يحق لهـــــــــا  أن تكون ، فقد أظهرت أيضا من تاجروا بالثورة وأهدافهــــــــا ، وغلبت مصالحهم على مصلحة مصر ، وإتخذوا من أوجاع الشعب وآلامه شعارا لإحداث المزيد من الإضطرابات لانزال نعاني منها ، وتوشك أن تقضي على النذر البسيط من الأخضر المتبقي ، كما كشفت عن حكومات تشكلت ضعيفة وعاجزة تسلمت الفشل كعهدة ، وسلمته كل منها الى التي تليها  ( بأمانة ) بعد أن أضافت اليه ما إستطاعت حتى تجاوز المقطم في ضخامته وصار الفشل من معالم مصر التي لا تنسى  . 
كان يمكن لمن ساهموا في شق صف الأمة وكسر وحدتهــــــــا ( بقصد أو بدون ) وطعنوهـــــــا في إسلامهــــــــا بعدما تعارضت المصالح ، وإنكشف زيف الوعود وتكسرت على صخرة العجز والفشل ، وغابت مصر لديهم عن المشهد حتى لفظهم الشعب  ، كان يمكن لهم أن يعتبروا ماحدث كبوة فارس أو هفوة عالم  ، ويتداركوا ماوقعوا فيه من خطايا ، ويعيدوا تنظيم صفوفهم ، وتطهيرهــــــا ، ويستعيدوا ثقة باقي الشعب فيهم ، ويعودوا من جديد الى الصف دعما لوحدته ، وتأكيدا لحبهم لمصر ، وتقديرا لأرواح الشهداء ودماء الجرحى ، لكنهـــــا دروس الزمن وعبره التي لايلتفت اليها أحد إلا بعد فوات الوقت .
لن نبكي كثيرا على اللبن المسكوب فلن تعيده أنهـــــــــار الدموع ، مطلوب وقبل فوات الآوان إستراحة محارب يتوقف خلالهــــــــا الجميع لإلتقاط الأنفاس والتأمل فيما حدث ويحدث ، والنظر بعين العقل الى ما  صارت اليه مصر ، وما يجب أن تكون عليه ، فلن يبني مصر من جديد إلا سواعد شبابها المخلصين ، ولن تقوم إلا على أكتافهم ،  ولن نقطع الأمل فيهم فهم عدة مصر وعتادها وزادها الى المستقبل الواعد .
         محمد الشافعي فرعون 

          الرياض في 5/12/2013 ..